Post Thumbnail

قراءة قانونية واجتماعية في تعديلات قانون الجرائم والعقوبات بالإمارات

بقلم: أ. نورة القحطاني

مستشار قانوني وتمكين مجتمعي مدرب في الحماية القانونية للأسرة والمجتمع كاتبة في القضايا المجتمعية والأسرية

تُشكّل التعديلات التشريعية الأخيرة تحولاً جوهرياً في الفلسفة القانونية؛ حيث تنتقل من الإطار العقابي التقليدي إلى منهج إنساني، وقائي، وإصلاحي يراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية كعناصر أساسية للعدالة واستقرار المجتمع.

أولاً: البُعد النفسي

1. إزالة الوصمة وتشجيع العلاج (في الشروع في الانتحار)

يُعد إلغاء تجريم الشروع في الانتحار تحولاً جوهرياً من التعامل مع الشخص بصفته «متهماً» إلى اعتباره «شخصاً في أزمة نفسية حادة يحتاج إلى الرعاية». هذا التغيير يكسر حاجز الخوف والوصمة الاجتماعية، مما يمنح الشخص المأزوم الشعور بالأمان لطلب المساعدة الطبية والنفسية المبكرة دون الخوف من العقوبة القانونية أو الفضيحة.

2. مراعاة الهشاشة النفسية والإدراكية (دون 18 عاماً وفاقدي الإدراك)

تغليظ الحماية القانونية لهذه الفئات يراعي عدم اكتمال النضج العاطفي والعقلي للناشئة، أو ضعف القدرة على التمييز لدى فاقدي الإدراك. نفسياً، هذه الفئات هي الأكثر عرضة للتأثر، والتلاعب، والاستغلال، أو الانجرار خلف الضغوطات والاندفاعات.

3. تحفيز صحوة الضمير (إعفاء المحرّض أو المساعد عند التدخل لمنع الوفاة)

يستثمر هذا البند في الدافع النفسي للتراجع والتكفير عن الخطأ في اللحظات الأخيرة. وجود منفذ قانوني للإعفاء يشجع الشخص على تغليب حس المسؤولية النفسية والأخلاقية وإنقاذ حياة الضحية فعلياً، بدلاً من الاستمرار في الجريمة خوفاً من العقاب المحتوم.

ثانياً: البُعد الاجتماعي

1. صيانة الحق العام والحفاظ على الردع المجتمعي (عند عفو أولياء الدم)

إقرار العقوبة (15 إلى 20 سنة) رغم عفو أولياء الدم يحمي المجتمع من فكرة إفلات الجاني من العقاب. اجتماعياً، يوازن هذا البند بين الحق الخاص للأسر والحق العام للمجتمع في الشعور بالأمان، كما يحد من أي ضغوطات أسرية أو اجتماعية أو مالية، كالإكراه على قبول الدية أو العفو.

2. مواجهة السلوكيات الإجرامية المستحدثة (عقوبات التحريض والمساعدة)

في ظل انتشار شبكات التواصل الاجتماعي وظواهر مثل التنمر الإلكتروني والتحديات الخطرة، فإن تدرج العقوبات حتى القتل العمد لمن يُحرّض أو يساعد على الانتحار يُشكّل حائط صد مجتمعي صلب. هذا الإجراء يرفع من وعي المجتمع بخطورة التلاعب بالآخرين أو استغلال ضعفهم النفسي.

3. تعزيز التضامن والاستجابة الأسرية

عندما يتحول التعاطي مع محاولات الانتحار من منظور قانوني عقابي إلى مسار صحي ووقائي، تتشجع الأسر على التدخل المبكر ودعم أبنائها، بدلاً من التكتم على المشكلات النفسية أو الخوف من التبعات القانونية، مما يعزز التماسك والاستقرار الأسري.

خاتمة

تُجسّد هذه التعديلات رؤية شاملة؛ فهي لا تكتفي بفرض النظام، بل تبني شبكة أمان نفسية واجتماعية تحمي الفئات الضعيفة، وتضمن علاج الجذور النفسية للمشكلات بدلاً من الاكتفاء بمعالجة نتائجها.

اترك تعليقك

التعليقات (0)



Reply a comment

About Me

المحامية / نورة القحطاني

عضوة في لجنة الشراكات في الجمعية، ومستشارة قانونية وأسرية، ومدربة في الحماية القانونية للأسرة والطفل، وكاتبة في جريدة الاتحاد

العلامات المفتاحية